تحلّ اليوم، الأول من فبراير، ذكرى ميلاد المخرج الراحل فهمي عبد الحميد (1939–1990)، الاسم الذي ارتبط في وجدان المشاهد العربي بعوالم الخيال والدهشة، وصناعة البهجة الصافية، خصوصًا في ذاكرة الأطفال.
لم يكن باحثًا عن شهرة أو حضور إعلامي، بل اختار أن يترك بصمته على الشاشة فقط، فصنع أعمالًا تجاوزت الزمن واستقرت في الذاكرة الجماعية لأجيال متعاقبة.
نشأة مبكرة وشغف بالفن
وُلد فهمي عبد الحميد في حي العباسية بالقاهرة عام 1939، وفقد والده وهو في الرابعة من عمره، ليشبّ يتيمًا برعاية والدته قبل أن تنتقل الأسرة إلى القناطر الخيرية.
منذ سنواته الأولى، بدا ميله واضحًا للفنون البصرية، فالتحق بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة، وتخرّج عام 1963 من قسم الحفر، حاملًا رؤية تشكيلية انعكست لاحقًا على أعماله التلفزيونية.
من الرسوم المتحركة إلى الشاشة الصغيرة
بدأ مشواره المهني داخل التلفزيون المصري عام 1964 بقسم الرسوم المتحركة، حيث تتلمذ على يد المخرج الكبير علي مهيب ونجله حسام مهيب.
لفت الأنظار مبكرًا بقدرته على توظيف الصورة والحركة، وصمّم تترات مميزة لعدد من الأعمال، أبرزها فيلم «الخيط الأبيض» الذي نال الجائزة الذهبية في مهرجان التلفزيون العربي عام 1965.
ثورة الفوازير وبصمة لا تُنسى
شكّلت فوازير رمضان نقطة التحول الأهم في مسيرته، إذ أعاد تعريف هذا الفن وقدّمه في قالب بصري مبتكر. بدأ تعاونه مع الفنانة نيللي منتصف السبعينيات، وقدّما سلاسل ناجحة مثل «صورة وفزورة» و*«صورة وفزورتين»* و*«صورة وثلاث فوازير»*، بالتعاون مع الشاعر الكبير صلاح جاهين. اعتمدت التجربة على المزج بين الرسوم المتحركة والاستعراضات الغنائية، فصارت الفوازير حدثًا رمضانيًا منتظرًا.
ولم يتوقف الإبداع عند هذا الحد، إذ قدّم شخصية «فطوطة» الشهيرة، التي جسدها الفنان سمير غانم في فوازير أعوام 1982 و1983 و1984، محققة نجاحًا جماهيريًا كاسحًا بطابعها الكوميدي الخفيف وروحها المرحة.
العصر الذهبي مع شريهان
في منتصف الثمانينيات، دخل فهمي عبد الحميد مرحلة جديدة من التألق عبر تعاونه مع الفنانة شريهان في فوازير «ألف ليلة وليلة»، التي عُرضت لثلاثة مواسم متتالية من 1985 إلى 1987.
قدّمت هذه التجربة استعراضات ضخمة وأغاني لا تزال حاضرة حتى اليوم، لتُسجَّل كأحد أنجح وأفخم مراحل الفوازير في تاريخ التلفزيون المصري.
رحيل مفاجئ وإرث خالد
ظلّ فهمي عبد الحميد يعمل حتى لحظاته الأخيرة، قبل أن يرحل فجأة في 17 يناير 1990 إثر أزمة قلبية أثناء تصوير حلقات مسلسل «ألف ليلة وليلة»، من بطولة مدحت صالح ورغدة ومنى عبد الغني. ورغم قصر عمره، ترك إرثًا فنيًا ثريًا يفوق سنواته.
لم يكن يحب الظهور أو الأحاديث الإعلامية، وفضّل أن تتحدث أعماله عنه. آمن بأن الفن الحقيقي رسالة خيال صادقة، قادرة على تشكيل وجدان الطفل وبناء ذاكرة جيل كامل.
وبعد مرور عقود على رحيله، لا تزال فوازيره وشخصياته تُعيد الجمهور إلى زمن البهجة الخالصة، مؤكدة أن إبداع فهمي عبد الحميد ما زال حيًا لا يشيخ.
بوابة الساعة الإخبارية رئيس مجلس الإدارة محسن سرحان