يعود منتصف مايو من كل عام مثقلاً بآلام ذاكرة حية لشعب اقتُلع من جذوره، وقرى طُمست معالمها بالكامل، وعائلات تحولت بين ليلة وضحاها إلى جموع من اللاجئين المشردين الذين يحملون مفاتيح بيوتهم العتيقة، بانتظار عودة لم تتحقق حتى اليوم.
إنها ذكرى النكبة الفلسطينية، ذلك الحدث المحوري الذي تجاوز حدود الهزيمة العسكرية العابرة، ليعيد رسم الخريطة السياسية والجغرافية للمنطقة بأسرها، مخلّفاً واحدة من أعقد قضايا الاحتلال واللجوء في العصر الحديث، حيث تشير التقديرات التاريخية إلى تهجير نحو 957 ألف فلسطيني من ديارهم، من أصل 1.4 مليون كانوا يعيشون في قرابة 1300 مدينة وقرية، تشتتوا بعدها بين الضفة الغربية، وقطاع غزة، والدول العربية المجاورة.
وتضرب جذور هذه المأساة في عمق التاريخ وتحديداً في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مع تصاعد موجات الاستيطان اليهودي بدعم من الحركة الصهيونية العالمية، حيث بدأت أولى المستوطنات بالظهور إبان العهد العثماني وبتمويل مباشر من المصرفي البريطاني الشهير ليونيل دي روتشيلد عقب مؤتمر لندن عام 1840، لتصل بحلول عام 1882 إلى 39 مستوطنة؛
وجاء المنعطف الأبرز عام 1917 حين منحت بريطانيا المشروع الصهيوني صكاً تاريخياً عبر “وعد بلفور” المشؤوم، الذي تعهد فيه وزير خارجيتها آرثر بلفور بإقامة وطن قومي لليهود، وهو الوعد الذي تحول إلى خطة تنفيذية شاملة مع خضوع فلسطين للانتداب البريطاني عقب الحرب العالمية الأولى.
وخلال سنوات الانتداب، فتحت سلطات الاحتلال البريطاني الأبواب على مصراعيها للهجرات اليهودية وتسهيل عمليات شراء الأراضي، ليشهد تصاعداً استيطانياً مخيفاً بين عامي 1939 و1948 تبلور في بناء 79 مستوطنة جديدة على مساحة تجاوزت مليوني دونم ركزت في القدس والنقب والساحل، بالتزامن مع تشكيل ودعم عصابات عسكرية صهيونية مسلحة وفتاكة مثل “الهاجاناه” التي مثلت نواة جيش الاحتلال لاحقاً، بجانب “الأرجون”، و”شتيرن”، وقوات “البالماح”، في مقابل محاولات فلسطينية وعربية مجتزأة للمقاومة، أضعفتها الانقسامات الداخلية وضعف التسليح مقارنة بالآلة العسكرية المقابلة.
وتسارعت وتيرة المؤامرة الدولية في الثاني من أبريل عام 1947 حين أحالت بريطانيا الملف إلى أروقة الأمم المتحدة، لتصدر الجمعية العامة في 29 نوفمبر من العام ذاته القرار رقم 181 الشهير بـ “قرار التقسيم”، والذي منح اليهود بغير حق 56% من مساحة فلسطين التاريخية مقابل 43% لأصحاب الأرض العرب، ومع رفض الفلسطينيين والدول العربية لهذا القرار الجائر وتأسيس “جيش الإنقاذ” للدفاع عن البلاد، وضعت القيادات الصهيونية خطة عسكرية سرية دموية عُرفت باسم “الخطة دالت”، هدفت بوضوح إلى إبادة وتهجير أكبر عدد من السكان والسيطرة التامة على المدن قبل رحيل القوات البريطانية.
وترجمت العصابات الصهيونية “الخطة دالت” إلى مجازر وحشية وعمليات ترويع للمدنيين بين ديسمبر 1947 ومايو 1948، لعل أبرزها تفجير فندق سميراميس في قلب القدس، ومجزرة “دير ياسين” المروعة التي راح ضحيتها مئات الأبرياء من النساء والأطفال وأطلقت موجات نزوح جماعية مرعوبة، تزامناً مع ملحمة معركة “القسطل” الشرسة التي استشهد فيها القائد البطل عبد القادر الحسيني ليتحول إلى رمز خالد للمقاومة.
وفي 14 مايو 1948، وقبل ساعات من جلاء آخر جندي بريطاني، أعلن ديفيد بن جوريون قيام دولة إسرائيل وسط اعتراف فوري وسريع من القطبين؛ الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
وفي اليوم التالي مباشرة، 15 مايو، اندلعت الحرب الرسمية بدخول جيوش خمس دول عربية هي مصر والأردن والعراق وسوريا ولبنان إلى الأراضي الفلسطينية.
ورغم تحقيق بعض الانتصارات الميدانية في البداية، إلا أن غياب التنسيق الموحد، وضغوط الهدنة الدولية، ونقص العتاد والتسليح في مواجهة الدعم اللوجستي الهائل لقوات الاحتلال، أسفر في النهاية عن توقيع اتفاقيات الهدنة عام 1949 وترسيم ما يُعرف بـ “الخط الأخضر”، لتنتهي المعارك بفرض واقع مرير جعل من النكبة جرحاً نازفاً وقضية حية تتوارثها الأجيال الفلسطينية جيلاً بعد جيل.
مواضيع مرتبطة
بوابة الساعة الإخبارية رئيس مجلس الإدارة محسن سرحان