بعد مرور عقود طويلة على رحيل المشير عبد الحكيم عامر (المتوفى في 14 سبتمبر 1967)، لا تزال علاقته بالرئيس جمال عبد الناصر تفرض نفسها كواحدة من أكثر العلاقات حيرة وتشابكًا في التاريخ المصري الحديث؛ إذ جمعت بين الصداقة العميقة والتحالف السياسي الممتد، وصولاً إلى الصراع والنهاية الدرامية عقب نكسة 1967.
وتظل وثائق وثنايا الأرشيف التاريخي تكشف أسرار هذا التحول، ولا سيما من خلال 3 استقالات خطّها المشير بنفسه لرفيق دربه.
1. استقالة «المخلص» عقب العدوان الثلاثي (1956)
شهدت أعقاب جلاء القوات البريطانية وعدوان 1956 أولى محطات التوتر المستتر؛ حيث تقدم عبد الحكيم عامر باستقالة ذات طابع وجداني وإنساني في 28 ديسمبر 1956، جاء في مطلعها: “إنني أجد صعوبة كبيرة في توجيه هذا الكتاب إليك… ولكن عندما نواجه الحقائق مجردة… أصبحت مقتنعًا أن مهمتي قد انتهت وأن استمراري في العمل يضرُّ بالصالح العام وبك أيضًا كصديق”.
اختتم عامر الاستقالة بتوقيع «المخلص عبد الحكيم عامر»، ولم تُلقَ عليها الأضواء حينها؛ إذ عُدّت دليلاً على ثقل المسؤولية عقب الحرب، وسرعان ما تجاوزها الرجلان ليرقى عامر بعدها إلى رتبة «مشير» ويتوسع نفوذه كـ «الرجل الثاني» في الدولة.2. الاستقالة الثانية بالنبرة الرسمية (سبتمبر 1962)
مع اتساع الفجوة وتغير آليات إدارة السلطة،
جاءت الاستقالة الثانية في 20 سبتمبر 1962 بنبرة رسمية صارمة اختفت منها عاطفة الرسالة الأولى، حيث بدأها بـ “السيد الرئيس جمال عبد الناصر، بعد التحية…”، مذكّرًا إياه برغبته السابقة في اعتزال الحياة العامة، ومستغلاً إعادة تنظيم هيكل الحكم ليطلب الخروج النهائي من المشهد السياسي.3.
الاستقالة الثالثة والشهادة الحاسمة (ديسمبر 1962)
لم تتوقف الأزمة عند هذا الحد، بل تجسدت في الاستقالة الثالثة والمفصلية التي كتبها عامر بخط يده في 1 ديسمبر 1962، وتُعدّ إحدى أهم الوثائق التي وثّقت انكسار الصداقة وتحولها إلى منافسة صريحة.
واستفاض المشير في تحليل البيئة السياسية ورسم معالم الخلاف، مؤكدًا أن “المناورات السياسية والدس السياسي استطاعا تحطيم صداقتنا”.
وتضمنت هذه الاستقالة رؤية عامر الشاملة لإصلاح نظام الحكم، والتي تلخصت في النقاط التالية:الديمقراطية والتنظيم السياسي: المطالبة ببناء التنظيم السياسي عبر انتخابات حقيقية من القاعدة إلى القمة، وإطلاق الروح الديمقراطية وحرية الصحافة دون خوف من المطاردة أو قطع الأرزاق.
شكل نظام الحكم: اقتراح هيكل واصل يعتمد إما على “حكومة رئاسية” يرأسها رئيس الجمهورية، أو “حكومة برلمانية” تكون مسؤولة أمام البرلمان، مع التأكيد على أن وجود عبد الناصر على رأس الدولة ضرورة وطنية.
الارتباط بالمواطنين: تحذير عبد الناصر من الانعزال التام عن الشارع والناس، مشيرًا إلى أن الابتعاد يمسخ العقل والعاطفة ويجعل المواطنين أسطرًا مجردة على ورق.
واختتم المشير عبد الحكيم عامر استقالته الأخيرة بكلمات حملت طابع الوداع النهائي: “وليكن فراقنا بمعروف كما كانت عِشرتنا بالمعروف، والله أسأل أن نختم حياتنا بشرف وكرامة كما بدأناها بشرف وكرامة”.
وقام بعمل التحقيق الكامل موقع “تيلجراف”
مواضيع مرتبطة
عبدالرحمن السيد لـ” ترامب”: هجماتكم على اسمي وديانتي لن تخفي فشل سياساتكم الاقتصادية
بوابة الساعة الإخبارية رئيس مجلس الإدارة محسن سرحان

