تحتفل مصر والأمة العربية بالذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة عام 1973، تلك الملحمة التي أعادت كتابة التاريخ على ضفاف قناة السويس.
عبور القناة وتحطيم خط بارليف المنيع لم يكن انتصاراً عسكرياً فحسب، بل لحظة وطنية جامعة شارك فيها أبناء مصر من مختلف المجالات.
وإلى جانب الأعمال الفنية التي خلّدت البطولات، يبرز جانب نادر: نجوم من عالم الفن والصحافة والرياضة ارتدوا الزي العسكري وعاشوا الحرب بأنفسهم من قلب المعركة، فصاروا شهوداً حقيقيين على النصر قبل أن يعودوا إلى حياتهم العامة.
في عالم الفن يبرز اسم أحمد بدير الذي شارك كمراسل حربي ضمن الشؤون المعنوية للقوات المسلحة. يصف بدير يوم السادس من أكتوبر بأنه أعظم وأطول أيام التاريخ، اليوم الذي نقل الجميع من عتمة الهزيمة إلى نور النصر.

ويتذكر موقفاً إنسانياً مؤثراً عندما استشهد أحد زملائه أمام عينيه بعد أن ائتمنه على وصية لأسرته بألا يقيموا له عزاءً إلا بعد تحرير الأرض. التزمت الأسرة بهذه الوصية، فظلت شاهداً حياً على إيمان الأبطال.
أما أحمد فؤاد سليم فقد خاض المعركة ضمن قوات الدفاع الجوي بالفرقة الثامنة، مؤكداً أن فرحة النصر جاءت بعد سنوات من التدريب الشاق، حتى تحولت سماء المعركة إلى زفة عريس وسط تساقط طائرات العدو.

الفنان الراحل محمود الجندي قضى سبع سنوات كاملة ضابط احتياط في سلاح القوات الجوية من عام 1967 حتى النصر عام 1973، معتبراً إياها أفضل سنوات حياته رغم حرمانه المؤقت من حلم التمثيل.

يقول إن تلك الفترة علمت الجنود كيف يكتمون عواطفهم ويتحملون اليأس من أجل الهدف الأكبر، حتى جاءت لحظة العبور المفاجئة التي غيرت مجرى التاريخ.
أما لطفي لبيب فقد كان ضمن جنود الكتيبة 26 بسلاح المشاة في الجيش الثالث الميداني، إحدى أوائل الكتائب التي عبرت القناة.

وثق تجربته في مؤلفه الشهير «الكتيبة 26»، ليخلد اللحظات التي امتزج فيها الموت بالحياة وأصبح الجنود العاديون أبطالاً في ساعات معدودة.
ولا يقتصر الأمر على الفنانين. الكاتب الصحفي الراحل جلال عامر، ابن محافظة الإسكندرية المشهور بكتاباته الساخرة، تخرج من الكلية الحربية وكان أحد الضباط الذين شاركوا في حرب أكتوبر.

رغم رحيله ما زالت صفحات عديدة على فيسبوك وتويتر تعيد نشر تغريداته الساخرة التي تتناسب مع الواقع الراهن، وكأنها شهادة حية من جندي فنان بالكلمة.
وفي عالم الرياضة يبرز اسم المدرب الراحل محمود الجوهري، الملقب بـ«الجنرال»، الذي درب منتخبي مصر والأردن. كان ضابطاً برتبة مقدم خلال حرب أكتوبر، وخرج من الخدمة برتبة عميد في سلاح الإشارة.

بعد انتهاء مهمته لم يعد إلى الملاعب كلاعب، بل توجه إلى التدريب ليصبح أحد أبرز المدربين في تاريخ الكرة المصرية والعربية.

أما المعلق الرياضي الراحل محمود بكر، نجم نادي الأوليمبي، فقد التحق بالقوات المسلحة منذ 1967 وحمل رتبة نقيب في سلاح الاستطلاع بقوات المشاة، وشارك في حرب 1973 قبل أن يترك الخدمة برتبة عقيد.

رئيس الاتحاد المصري لكرة القدم السابق سمير زاهر كان لاعباً في الدوري المصري ثم استُدعي عقب النكسة عام 1967 ليشارك في انتصار أكتوبر ويعتزل الكرة بعد عودته.
أما حمادة إمام، لاعب منتخب مصر ونادي الزمالك والمعلق الشهير، فقد تخرج من الكلية الحربية وعمل ضابطاً بالقوات المسلحة ليكون أحد المشاركين في الحرب، وأحيل إلى المعاش برتبة عقيد.هؤلاء الرجال جمعوا بين الإبداع والتضحية، بين الملعب والاستوديو والجبهة. تجاربهم تذكرنا بأن نصر أكتوبر لم يكن حكراً على العسكريين المحترفين وحدهم، بل شارك فيه أبناء الوطن من كل التخصصات.

في كل ذكرى جديدة تتجدد قصصهم لتصبح مصدر إلهام للأجيال: كيف استطاع الفنان أن يحمل الكاميرا والبندقية، وكيف تحول اللاعب إلى ضابط، وكيف بقيت كلمات الصحفي الساخر حية بعد رحيله.بعد ثلاثة وخمسين عاماً ما زالت هذه الأسماء تلمع خلف خطوط النار.
أحمد بدير بذكرياته الإنسانية، وأحمد فؤاد سليم بوصفه الشعري، ومحمود الجندي بسنواته السبع، ولطفي لبيب بكتابه الوثائقي، وجلال عامر بسخريته الخالدة، ومحمود الجوهري ومحمود بكر وسمير زاهر وحمادة إمام بمسيراتهم الرياضية والعسكرية.
كل واحد منهم أضاف بعداً خاصاً إلى الملحمة، ليؤكد أن الوطن يجمع الجميع تحت راية واحدة عندما تدق ساعة الحقيقة.
في زمن يبحث فيه الناس عن قصص ملهمة، تبقى شهاداتهم دليلاً حياً على أن النصر يُصنع بالإرادة والعرق والدماء، وأن خلف كل انتصار عظيم أسماء عادية صنعت تاريخاً استثنائياً.
مواضيع مرتبطة
بوابة الساعة الإخبارية رئيس مجلس الإدارة محسن سرحان