تُعد قصة زواج السيدة زينب رضي الله عنها، ابنة النبي صلى الله عليه وسلم، بأبي العاص بن الربيع واحدة من أعظم قصص الوفاء الإنساني والثبات على المبادئ والمشاعر، حيث ضربت فيها أروع الأمثلة في الحب الذي يتجاوز اختلافات العقيدة والظروف القاسية.
البداية السعيدة ومفاجأة النبوة
بدأت القصة حين تقدم أبو العاص لخطبة ابن خالته زينب، فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم ابنته فاحمر وجهها ابتسامةً وموافقةً وتم الزواج. ولكن لم تدم الحياة الهادئة طويلاً؛
فقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم، وعاد أبو العاص من سفره ليجد زوجته قد أسلمت. ورغم صدمته وافتراقهما مؤقتاً بسبب رفضه لإعلان الإسلام خوفاً من كلام قومه، إلا أنه لم يعب أباها قط، وبادلته هي الوفاء قائلة: “أنا زوجتك أعينك على الحق حتى تقدر عليه”. ورفض أبو العاص كل ضغوط قريش ليتزوج غيرها طمعاً في كسر قلب النبي أو زوجته.
محنة الفراق واختبار بدر
ومع الهجرة إلى المدينة، بقيت السيدة زينب في مكة بإذن النبي مع زوجها وأولادها حتى وقعت غزوة بدر، ليخرج أبو العاص كارهاً في صفوف قريش محارباً للمسلمين.
وانتهت المعركة بوقوعه في الأسر، فلم تتردد زينب في إرسال فدائه، باعثةً بعقد أمها السيدة خديجة رضي الله عنها. فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم، رق قلبه وبكى مذكراً الصحابة بفضله، ليردوا العقد ويطلقوا سراحه، شريطة أن يرد إليها ابنتها، وهو ما وافق عليه أبو العاص لتبدأ فترة فراق استمرت ست سنوات رفضت خلالها زينب كل الخطاب انتظاراً لعودته.
شجاعة زينب وإجارة ابن الخالة
بعد سنوات، خرج أبو العاص في تجارة لقريش، وأثناء عودته اعترضه المسلمون فربحوا أمواله، فجاء ليلاً هارباً إلى بيت زينب طالباً جوارها.
وفجر اليوم التالي، وقفت السيدة زينب بكل شجاعة في المسجد أمام الجميع لتعلن بصوت عالٍ: “قد أجرت أبا العاص بن الربيع!”. وأمام هذه الشهامة، أثنى النبي على صهره وأمانته، وطلب من المسلمين رد أمواله، فوافقوا جميعاً، ورفض أبو العاص الإسلام في تلك اللحظة وعاد لأموال مكة ليردها لأصحابها أمانة كاملة.
الخاتمة العطرة.. إسلام ونهاية سعيد
وما إن أدى أبو العاص الأمانات لأهلها في مكة حتى أعلن إسلامه جهاراً، وعاد مهاجراً إلى المدينة المنورة فجراً ليعلن توبته وإيمانه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم.
ولم يتردد النبي في مكافأته على صدقه ووفائه، فأخذه معه إلى بيت زينب، وطرق الباب ليسألها بصوت الأب الحنون: “يا زينب إن ابن خالتك جاء لي اليوم يستأذنني أن يراجعك فهل تقبلين؟”، وكعادتها منذ سنوات طويلة، يحمرّ وجهها وتشرق ابتسامتها بالموافقة، لتعود القصة إلى نقطة النور وتتكلل باللقاء الأبدي.
بوابة الساعة الإخبارية رئيس مجلس الإدارة محسن سرحان