أخبار عاجلة

الذنب الحلو.. قصة قصيرة

كنت واقفا بالقفص مطأطأ الرأس مهموم، عندما نادى الحاجب على المدعي، لأخذ أقواله في دوافع اتهامه لي بالسرقة
نظرت للقاضي على المنصة، وقد علا وجه جدية واضحة، قرأت الآية القرآنية في الإطار الخشبي الذي علق من فوق رأسه “وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ
رأيت شعبان يتقدم من المنصة بخطوات ثابتة واثقة، مرتديا الجلباب وشال أبيض يلتف حول رأسه، قال:
اسمي “شعبان حسين السيد” امتلك دكانا لبيع المنتجات الاستهلاكية والغذائية، لطالما كنت رفيق بالفقراء من منطقتي، الحالة الاقتصادية سيئة والأسعار في غلاء مستمر يعجز الكثير من الفقراء عن الشراء لاحتياجاتهم الأساسية من السلع الغذائية وسد ما عليهم من دين، أشفق عليهم فأبيع لهم على النوتة وأحيانا أتغاضى عن رد ثمن المشتريات مِن مَن لا يستطيع الرد، يجيئني الكثير من المحتاجين يوميا، أعطهم ولا أطالب بها ارضاءا لله. وذات يوم جاءني ذلك المدعو محمود إمام عبد الظاهر، يطلب مني بعض السلع الغذائية، أعطيته، قال انه لا يملك النقود، قلت له:أذهب وعندما تحصل عليها أعطني ثمن ما ابتعت.
مرت الأيام، يأتي محمود واعطيه ما يطلب دون مقابل، كان يطلب طلبا واحدا بسعر زهيد يتعمده، وفي يوم جاءني وطلب عدة سلع فاندهشت، أيطلب كل ذلك دون أن يدفع شيئا، تأففت يومها ، وأعطيته ماطلب وفوجئت أنه يدفع لي ثمنها كما دفع لي المتأخر عليه من دين واستمر اسبوع على ذلك الحال يأتي لي كل يوم بالنقود ويطلب السلع أعطيه ويدفع ثمنها على الفور، بل اندهشت اكثر عندما طلب سلع اخرى باسعار عالية، غير الذي اعتاد عليها، كاللبن والزبد والعسل وغيرها، ولأني أعرف حاله المتعثر، فقد توقف عن العمل في شركة النظافة الأجنبية التي انهت عقدها مع الدولة وخروجت من البلاد، وتم تسريح العاملين بها، تعجبت لكل هذا المال الذي أصبح في يده بين يوم وليلة، لكني اعتقدت انه حصل على عمل جديد، وفي يوم جاء لي أحد الزبائن يلقي بوجهي عملة ورقية ويتهمني أني أعطيته عملة مزورة، كباقي ثمن بضاعته التي اشتراها من المحل، أنكرت وثار الزبون وغضب، وقررت البحث في العملات الموجودة بدرج المكتب، تفاجئت ان العملة التي اشتكى منها الزبون شبيهة بالعملة التي أعطاها لي ذلك المدعو محمود في ذلك اليوم والأيام السابقة، بحثت عن العلامة المائية بالعملات، فلم أجدها، وتأكدت أن الأموال مزورة، وعندما واجهته أنكر أنها له، واشتكى ايضا الجزار والفكهاني والخباز، فكانت ادراجهم تحمل العملات المزورة من نفس الشخص، وبلغنا عنه النيابة التي داهمت داره ووجدت بحوزته الورق والحبر.
انتهي شعبان، ونظر لي نظرة غيظ تجنبتها بالنظر للأرض في انكسار. انتظرت لأرى أثر حكايته على القاضي الذي التفت إلي مناديا:
محمود إمام عبد الظاهر..
رفعت رأسي ولبيت النداء، بصوت حزين قلت:
افندم.
ما قولك فيما نسب إليك من اتهام ” شعبان حسين السيد” لك بسرقته عن طريق سحب بضاعة من دكان يملكه واعطائه اموالا مزورة.
وقبل أن أروي حكايتي، لفت وجهي للحضور من بينهم زوجتي وأطفالي، نظرت إليهم في ألم، والأطفال في حالة من الذهول لرؤية أباهم وراء السياج الحديدية عاجز ضعيف. شعرت بالألام سكينا تشق صدري نصفين، حين لمحت الدموع في عين أبنائي وزوجتي ونظرات الإشفاق والحزن على وجوههم.
دارت عيني بالجالسين، رأيت شعبان بجانب الجزار والفكهاني والخباز، ينظرون لي وأعينهم تحمل الشرر، التفت للقاضي حاملا معي مأساتي، وقلت:
سيدي القاضي..
كنت مقتدرا، اعمل في شركة النظافة الأجنبية التي تعاقد معها النظام منذ أعوام، وبعد انتهاء عقد الشركة وخروجها من البلاد، وجدت نفسي انا والكثير مثلي بلا عمل، معظمنا مسئول عن اسرة لديه زوجة وأطفال وأنا كذلك، حصلنا على مبلغ ضعيف من الشركة، لا يعيننا إلا شهورا قليلة، كما أننا كنا نعمل بعقود خاصة ولم يؤمن علينا، ومر شهران وثلاثة وتداينت، وعملت باليومية وفي الفاعل، وكانت تمر على أياما لا يدخل جيبي قرشا، تضور أطفالي جوعا وعانوا كثيرا فلم يعتادوا الحاجة من قبل، ودب بي اليأس من الحياة، وكنت اذهب للبائعين، يعطوني من كرمهم وعطفهم علي، ولكن لاحظت بأعينهم ضيق وسمعت تأفف مبرر فكان عليهم عبء كبير، الفقر أتٍ والجوع ضرب البطون، وأنا لا ارد أموال البضاعة التي اسحبها منهم، باتت ملامحي يكسوها الهم ويعلوها الغم والضيق وأبت نفسي أن تهان أكثر من ذلك، وكانت زوجتي تحتاج مصروفات للبيت ومدارس الأطفال والمعيشة وأنا أقف عاجز أمامها خالي الوفاض، العمل شحيح والفقر يعشش بالحارة، ولا من شعاع نور يضئ النفق المظلم، وبعد تفكير عميق، قررت أن اسعد نفسي واسرتي و البقال والجزار والفكهاني والخباز.
كان الصمت يسود القاعة وأنا أحكي مأساتي، نظرت للقاضي وبعينيه شغف أن أكمل له حكايتي، التفت للقاعة وإذ بكلماتي لمست الحضور، رأيت بأعينهم حزن مدفون وكأن كل واحد فيهم يعاني ما أعانيه وكأن لسان حالي هو لسانهم، أكملت:
كنت موهوب بالرسم، اقتنيت الورق والحبر رسمت عليها العملات واتقنتها وفكرت أن أمزق الورقة و ألصقها مرة بالطول وأخرى بالعرض، أو أضعها في كوب من الشاي أو القهوة، ليظهر عليها التداول والقدم ويجانبها الشك، وفي اليوم التالي، ذهبت للبقال و بيدي رعشة وانا اعطيه العملة المزورة، والمفاجئة انه لم يشك فيها، بل نظرت في عينيه فرحة بها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة عريضة واعطاني البضاعة وأثنى علي، فعلت نفس الشئ مع الأخرين، الذين أظهروا فرحة وافرجوا عن ابتسامة كتلك التي رأيتها على وجه البقال، أذهب لبيتي يوميا محملاً بالمأكولات والمشروبات واللحوم وأنواع الفاكهة، نظرت الفرحة في عين زوجتي والأطفال فأحببتها، قررت الإستمرار وإسعاد الجميع، وكنت اعتكف بحجرتي طوال الليل أوصد الباب وارسم العملات على الورق وبعد ان كنت ارسم العشر والعشرين جنيها أصبحت أرسم الخمسين والمئة والمئتين، وكنت اعطي منها للفقراء بالمنطقة فيدعون لي. استمريت لمدة شهر واثنان وثلاث، دون أن يشك في أحد.
حتى تلك الليلة التي داهمت فيها الشرطة مسكني وقبضوا علي متلبسا بالورق والحبر.
خرجت من الحجرة والأصفاد بيدي وسط صريخ ابنائي وزوجتي فقد فزعوا من مداهمة الشرطة للبيت.
لم ارتكب خطأ سيدي القاضي، بل أني رأيت الفرحة في أعين كل من حولي، واستمريت في إسعادهم، ولما لا؟
انهيت حديثي ونظرت لأبنائي وزوجتي، رأيت شفاهم المرتجفة والدمع يهطل من أعينهم، نظرات الأسى والحزن على وجه الحضور بالقاعة يتبادلها الجميع في صمت تام، حتى البقال والخباز والفكهاني والجزار، بدت على وجوههم نظرات العطف والشفقة.
تلاشت الجدية من على وجه القاضي وسألني بنبرة عطوفة:
هل أنت على اقتناع من أنك لم ترتكب ذنب يامحمود؟
أجبته بثقة زائدة:
نعم، فقد كنت مصدر السعادة للجميع حولي_
نادى القاضي المدعين الأربع ويسألهم:
هل تغفرون له ذنبه في حقكم؟
المدعون في صوت واحد:
لقد عفونا عنه
رأيت الغيظ وقد تبدل بالعطف في عين خصومي، والحزن وقد تبدل بالفرح في عين زوجتي وأطفالي، تهللت القاعة وزال الغم، افرج الحضور عن تنهيدة الراحة.
وأطلق القاضي حيثيات حكمه، قال:

إن أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب، أوقف وجمد حد السرقة فى شجاعة نادرة ورؤية فقهية ثاقبة وكتب يومًا إلى أحد عماله، ماذا تصنع إذا جاءك سارق؟ قال: أقطع يده، فقال عمر: فإن جاءني جائع قطعت يدك.
فمن أراد أن ينظر إلى الوجه المشرق لتاريخنا المجيد وعظمة حضارتنا الإسلامية فلينظر إلى تاريخ هؤلاء العظماء ليدرك أنهم ملأوا الدنيا عدلًا وفقهًا وسماحة وأخلاقًا وقيمًا.
وعلينا أن ننتهج نهج هؤلاء العظماء، ونسير على خطى خليفة المسلمين عمر بن الخطاب، حيث تحلى بأن الشدة تمتزج بالرحمة فلا تدري أهو الرجل القوي الشديد أم هو الرجل شديد الرأفة والرحمة برعيته؟
وقد ثبت لدينا بشهادة الشهود بأن المتهم يتحلى بأخلاق حميدة بين أهل منطقته، فلم يتعمد إيذاء أحد يوما، وتحررنا من صحيفة سوابقه فوجدناه بلا خطيئة سابقة، لذلك حكمنا نحن على محمود إمام عبد الظاهر بستة أشهر لاقتنائه عملات مزورة مع وقف تنفيذ الحكم.
سجدت لله شكرا فور انتهاء القاضي ودبت الفرحة بالقاعة وأفرج الحضور عن سعادة بالغة، استقمت، رأيت زوجتي وأطفالي متعلقين بالقفص يحاولون احتضاني من وراء السياج الحديدية التي فتحت لي وخرجت منها، التف حولي الحضور من أهل منطقتي حتى البقال والخباز والجزار والفكهاني الذين فاجؤني بمشاعرهم الطيبة نحوي.