أخبار عاجلة

العجوز .. قصة قصيرة

كتبت – مروة حمزة:

قاد سيارته بسرعة جنونية بيده اليمنى الغير مصابة، وسار في طريق  طويل حتى ابتعد عن المكان هاربًا ممن لحقوا به لإيذائه ، اختفى عنهم تمامًا إلى أن وصل لممر ضيق ملتوي تراصت الأشجار الكثيقة على جانبيه فبدا كغابة مخيفة من بعيد ، أجبره الطريق على تهدئه سرعته ،كاد ان يصطدم بصخرة عالية لولا انه سيطر على أعصابه  .

استمر في القيادة إلى أن بدت له من بعيد استراحته ،المطلة على البحر بالساحل الشمالي ، وسط السحب الكثيفة السوداء التي تكونت فوقها  ، ولولا أنها على ربوة عالية لما ظهرت له بأضوائها الخافتة ، شرى البرق في السماء فأضائها بسيوفه المتلاحقة ، وصاحبته عاصفة رعدية رجت الكون وفجأة انهمرت الأمطار الكثيفة مع صعود سامر للربوة المرتفعة بسيارته التي أوقفها أمام الاستراحة ، ودفع بابها سريعًا مهرولا للداخل ، أغلق الباب واتجه للحمام ، وضع  رأسه المجروح تحت المياه الباردة دقائق ردت إليه بعض نشاطه المفقود وقد تخلص من الدماء التي تساقطت من رأسه ووجهه  ..

كان يشعر في ذراعه الأيسر بألم حاد كالنار ، ارتجف وهو يمسك بمنشفته ولف بها رأسه المجروح ،وصرخ عاليًا ، فدوى صوته في المكان الخالي : ” لا أريد أن أخسرك ابدًا ، حتى لو خسرت العالم بأكمله ، لن أتركك لهذا الاحمق ، سأسحق كل من يحاول الاقتراب منك ، انتي يا سارة خلقتي من أجلي ” ، راح يهذي ويتوعد بقتل  “باسل” هذا الشيطان الذي سرق منه حبيبته   رآها الليلة تنام بين ذراعيه وهو يرقص معها في كازينو  ” الليالي” ، وقد فاجئهم بوجوده الغير متوقع منهم ، بعد أن جاءته مكالمه من مجهول ليخبره بأن باسل يخونه مع سارة  .

دلف إلى غرفته ، ليجد كلبه نائمًا على الفراش ، فك زرار قميصه بعد أن شعر بالاختناق رغم برودة الجو  ، واتجه نحو النافذة الزجاجية وفتحها لدخول الهواء ،إلا أن العاصفة الشديدة والأمطار الكثيفة أجبرته على غلق النافذة مرة أخرى ، تراجع للخلف وجلس على كرسي وثير ، وضع أمام النافذة الزجاجية الكبيرة المطلة على الشاطيء ، واكتفى بالنظر  لموج البحر في الظلام وقطرات المطر المتلاحقة التي تنقر على الزجاج بشدة فاختلط صوتها بصوت الموج الهائج  ، شعر بأن البحر يشاركه غضبه وثورته العارمة، وراح يتجرع كأسًا وراء كأس ، شرب حتى الثمالة ، ووضع احدى الحبوب في الكأس وتجرعه مرة واحدة ،راح يهذي بكلمات غير مفهومة ربما كان يسب ويلعن كل من وقف أمام حبه لـ ” سارة ” متذكرا المعركة التي دارت بينه وبين “باسل” منذ أقل من ساعة في كازينو ” الليالي” وكيف سدد لهذا الخائن لكمات مفاجأة ومتلاحقة لوجهه ، دافعًا بالطاولة وكؤوس الويسكي على الأرض ، وسط زهول ” سارة “والمتواجدين بالمكان وصرخاتهم ، وكاد يقتل باسل خنقًاً بعد أن انقض عليه وقد أوقعه على الأرض لولا تدخل الـ”حراس”(البودي جارد)  وابعاده بقوة عن عنق باسل الذي وقف و اخذ يصرخ ويتوعد بقتله وقد أخرج مسدسًا من حزامه ، الملتف حول بنطاله، وجه لسامر و أطلق منه رصاصه كادت تفتك برأسه لولا أنه تفادها بأعجوبة بعد أن أفلت من يد الحراس وقفز في الهواء عاليًا باتجاه النافذة فسقط منها على غصن شجرة ومنها تدحرج على الأرض المائلة  لأسفل ، وقد اختفى في الظلام بين الشجر المحيط بالكازينو الليلي قبل أن يلحق به الحراس ،و أسرعوا خلفه لتأديبه على فعلته بناء على أوامر من باسل الذي اخذ يصرخ عاليَا :

–  الحقوا بهذا الوغد واقتلوه .

سار يجري بين الأشجار حتى خرج من المكان ووصل لسيارته وهرب بسرعة شديدة، فلولا هذه القفزة لكان في  تعداد الموتى ، ولولا سرعة اختباءه وقيادته للسيارة بتلك السرعة الجنونية للحق به الحراس وفتكو به، ترك الكأس يقع من يده وغط في نوم عميق ، لم يشعر بالوقت الذي مر ربما ساعات ،بدا وكأنه غاب عن الوعي.

ولم يفق الا على دقات متلاحقة على جرس الباب ، لولا استمرار القادم في دق الجرس لما كان فتح له ،  فهو يشعر بتعب أثقل رأسه وأتعب عينه ،  قام بصعوبة بالغة واتجه نحو الباب  ، ماذا لو كانوا حراس”باسل “، أخذ يفكر فيما يفعل ، ولكن كيف وهم لا يعرفون عنوانه ولم يستطيعوا اللحاق به ، استبعد ذلك ، وسمع لصوت عقله يقول له ربما سارة شعرت بالذنب فجاءت وراءك لتغفر لها فعلتها ، تقدم بسرعة نحو الباب  قبل أن ترحل ، وفتح الباب سريعًا وصرخ باسمها ” سارة “، ولكنه وجد  أمامه رجلًا عجوزًا على كرسي متحرك ملتفًا بكوفيه مهترأة ، وقد أطبق يديه امامه ، نظر سامر للعجوز باستغراب فهو لا يعرفه ، سارع العجوز بالاعتذار عن الازعاج ، وقال بتعجل  : اسمح لي بالدخول فالأمطار كثيفة والمشوار طويل .

سمح له سامر بالدخول ، من هذا الزائر الغير مرغوب فيه وقد حضر دون سابق انذار؟؟ ،،تمتم سامر.

  دقائق من الصمت  مرت ، وهو ينظر للرجل الذي بدا له وكأنه يعرفه شبه عليه “جده” بتجاعيد وجهه وخصلات شعره البيضاء الكثيفة ، ولكن جده لم يكن بهذا الضعف والعجز ، ولم يكن مشلولا ، ولا يرتدي بدلة سوداء حقيرة ورثة  كهذه  ، فقد مات الرجل في كامل صحته وعزه، رغم أنه تجاوز السبعين من عمره.

قال له بعد فترة صمت :

–  من أنت ؟؟ وماذا تريد في هذا الوقت المتأخر من الليل ؟

غضب الرجل وسرت الدماء في عروقه فجأة وقال صارخًا وملوحًا بيده المرتعشتين لسامر قاطعًا حديثه :

–  ألا تعرفني ؟؟ انظر لي جيدًا وتأمل عيني قد تدلك على شيء أيها الغبي ؟…

تعجب سامر لغضب الرجل وثورته وبذاءة لسانه ، امسك بزجاجة ويسكي ورفعها لفمه ، وشرب منها ما شرب ، ووضع الزجاجة على طاولة امامه بغضب ، وإذا بالرجل يتحرك بكرسيه نحو الطاولة دافعًا زجاجة الخمر بشدة لتسقط على الأرض وتنكسر أمام أعين سامر الذي نظر له محدقًا كالمجنون وصرخ بوجهه  :

– ماذا تفعل أيها الأحمق  ؟

صرخ العجوز :

– كفاك .. كفاك .. ضاعت صحتي وهزل جسدي بسبب تلك الملعونة التي لا تتركها من يدك ، وقد أدمنتها حد الجنون .. لماذا تهين نفسك لهذا الحد .

 رد سامر غاضبًا ، وامسك بكتف الرجل في غضب : من أنت أيها الملعون ؟ لو سرت تهذي لشققت رأسك نصفين  ..

رد العجوز وقد تساقطت الدموع من عينيه الضيقتين :

– أنظر لنفسك في المرآة وأنت ستعرفني ، أنا نفسك المريضة وجسدك المشلول وقد دهسني استهتارك ولهوك طول سنوات عمرك ..

ذهل باسل ونظر للعجوز ، ثم التفت ينظر لوجهه بمرآة علقت  فوق مدفأة على الجدار وإذا به يرى وجه العجوز بالمرآة وليس وجهه ، واستمر العجوز يصرخ في وجهه :

– ماذا كنت تريد أن ترى نفسك وقد وصلت لهذا العمر ، قويًا مفتول العضلات بكامل صحتك وحولك أبناءك وأحفادك ينعمون بثروتك ، كيف وأنت سرت في طريق العبث والمجون ، وضيعت شبابك في اللهو وراء رغباتك وشهواتك  .

حدق سامر للعجوز ، وقال بثقة  :

– مستحيل ،فانا سامر عزيز ابن  فؤاد عزيز أحد أكبر رجال الأعمال صيتًا وعزًا  ، فكيف سأصل لهذا الوضع الحقير .. كم أنت خبيث يا رجل .. اتيت تبتزني لتتسول بضعة أوراق نقدية ، قل ماذا تريد وأغرب عن وجهي .

ضحك العجوز بهيستريا أخافت سامر وأرجعته للخلف ، وقال بهدوء بعد أن توقف عن الضحك  :

– ابتزك .. ابتزك وقد أضعت كل ثروتك وبعت شركات ابيك وجدك بالمزاد لتنفق على حبيبتك اللعوب التي جعلت منك اضحوكة الزمان وتركتك ككلب وضيع، ابتزك وانت تتسول طعامك وشرابك بعد أن انفضت من حولك شلة المنافقين ، وقد أصبحت مفلسًا فقيرًا ، وضاع عقلك وهزل جسدك من إدمانك للخمور ،بل وتفكر في القتل!!، ماذا تريد أن تفعل بي أكثر مما فعلت ؟!! اتتعجب وانت ترى نفسك كما تراها الآن مذلولا مشلولاً وحيدًا بلا عزوة ولا مال ، فلا تبكي شبابك وعزك وقد ضاع باستهتارك ولهوك ومجونك .

وراح يضحك العجوز بضحكات هستيرية عالية رجت المكان وأصبح لها صوت صدى مزعج يصم الآذان ،

وهو يتراجع بكرسيه حتى اختفى تمامًا ، ولم يعد له وجود ،،

لوح سامر بيده يمينًا ويسارا وفتح عينه مفزوعًا على صوت ارتطام الزجاج بشدة بالجدار بعد أن فتحه الهواء الشديد ليجد نفسه نائمًا كما هو  فوق كرسيه، والكلب يقف بجانبه ينبح وقد أفزعته العاصفة  ، اتجه سامر للنافذة ومد بصره بالخارج لعله يجد هذا العجوز … فلم يرى سوى الامواج العالية ،الظلام الحالك ، وهد أ الكون بعد أن توقفت الامطار عن الهطول  وانتهاء العاصفة .. .. ..       وحينها سمع آذان الفجر يعلو في الفضاء وصوت الشيخ مناديًا على المصلين :

–  الصلاة الصلاة .. يا مؤمنين الصلاة .. يا موحدين الصلاة .

خرج  من الغرفة وتوجه للطاولة وأمسك بزجاجات الخمر وسكبها من النافذة والقاها خارجًا ، تخلص منها كلها ولم يبقى على شيء منها،وامسك ببرواز صغير  به صورة  لـ “سارة ” ، حطمه على الأرض واخذ الصورة وقطعها لقطع صغيرة وألقى بها من النافذة لتطير في الهواء  ،شعر سامر براحة وكأن كل ما مر كان كابوسًا فاق منه بزيارة هذا العجوز .. .. ..  اغتسل وتوضأ واستبدل ملابسه بأخرى نظيفة ، خرج للمسجد القريب من استراحته وكأنه يراه لأول مرة ، صلى وخشع وركع ، ودعا الله كثيرًا لينقذه من هذا الوحل وهو يبكي بشدة ..    

رجع  لاستراحته وشعر براحة كبيرة ، وكأن كل ما مر كان كابوسًا استيقظ منه ،جلس على البحر ينظر لأمواجه ويعيد حساباته فالعجوز مازال أمام عينيه وكلماته ترن في أذنه.

رن هاتفه المحمول فقطع حبل أفكاره، وكان المتصل صديقه المخلص والمسئول القانوني للشركة،سمع صوته المضطرب وهو يقول له :

–  أحمد الله انك رديت علي أخيرًا أرجو أن تعود لانقاذ الشركة من الضياع قبل أن يسوأ وضعها أكثر مما ساء، فهناك أمور كثيرة في حاجة للنقاش والحلول.

رد سامر بثقة وبدون تهرب كما  كان يفعل من قبل :

–  لا تقلق خلال ساعتين سأكون في الشركة وكل شيء سيحل للأفضل بإذن الله.

الشركة كانت في طريقها للإفلاس والبيع بالمزاد ،، إما أن يتحسن وضعها وإما أخسر كل شيء  ، لهذا الحد وصل الاستهتار بي ، كيف كنت أفكر ؟ ماذا كنت سأفعل بنفسي ؟ هل كان سيكون مصيري هو مصير العجوز ؟؟؟؟ تحدث سامر لنفسه وعاد لاستراحته تاركًا موج البحر يطوي صفحات ماضيه واستهتاره .

عزم أمره على الرجوع للقاهرة لانقاذ شركته من الضياع كما أنقذ نفسه من هذا الوحل .

دخل يلملم أشيائه وحقائبه سمع رنات هاتفه، نظر فإذا بـ “سارة تتصل “، أغلق الهاتف بعد أن وضعها في قائمة الاسماء المحظورة، وابتسم براحة فالأول مرة يشعر بأنه لا يريد التحدث إليها، فلم تعد ذات قيمة له، أخذ كلبه وقاد سيارته متجهًا للقاهرة لانقاذ شركته.

                                                                                                       ((تمت))